نادى الجسرة الثقافى الاجتماعى || موقف الفكر العربي الإسلامي من الحداثة الغربية المعاصرة
عرض المقالة : موقف الفكر العربي الإسلامي من الحداثة الغربية المعاصرة

Share |

الرئيسية >> المجلة العربية >> العدد الأول

اسم المقالة: موقف الفكر العربي الإسلامي من الحداثة الغربية المعاصرة
كاتب المقالة: د. فريد غيوة
 
الزوار: 836

موقف الفكر العربي الإسلامي من

الحداثة الغربية المعاصرة

د. فريد غيوة

جامعة منتوري قسنطية بالجزائر

كلية العلوم والإنسانية والاجتماعية – قسم الفلسفة

مقدمـة :

       أخطر معركة في مجال الصراع الحضاري معركة المصطلحات ، حيث نطل إلي مجتمعاتنا العربية الإسلامية يومياً عن طريق وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية ، وتتمثل في تلك المفاهيم التي أبدعها الفكر الوجودي الملحد ، والماركسي والبراجماتي وغيرها من المفاهيم التي لم يألفها الفكر العربي المعصار مما حدا ببعض المثقفين العرب إلي بنيها ، لأنها – حسب رأيهم تعمل علي محو أو نداء علي الشخصية العربية وحضارتها وتتجاوز مصطلحات وتحددت تبعاً لذلك المعاني التي تناسبها .

       وهذا ما جعل الكثير من المثقفين العرب يتحاشون طرحها وقد يخجلون من مجرد الانتساب إليها .

       إن مصالح السلفية ومصالح العروبة والتراث والقومية هي كلها مصطلحات ترمي إلي بناء الحضارة العربية وهي لا تعني بأي حال من الأحوال الجمود والتحجر والتنكر للتقدم الحضاري ورفض كل ما أنجزه العصر الحالي من خلال الرؤية العربية الإسلامية وليس ما يمنعنا نصر العربي – وهذا من عملنا – أن نعود إلي ما أطلقه آباؤنا وأجدادنا من مصطلحات في هذا المجال دون أن تحول بيننا هذه العودة من الإفادة من مختلف ما نجده من مصطلحات في سائر الثقافات الغربية سواء منها الأوروبية أو الأمريكية من نفس المجال من ثمة يبقي علينا فحصها وغربلتها وتصفيتها حتي لا نبقي محدودين بهذه المصطلحات ننطلق منها  ونحكم علي الأشياء من خلالها ونتأمل – انطلاقاً منها العالم الذي نعيش فيه .

       ومع ذلك فإن التخلص مما جاء عن طريق الغربيين من مصطلحات وتفكير غداً امراً صعباً ، أو بعيد المنال بسبب بعض الذهنيات المتحجرة أو التي ابتليت بمركب النقص الذي يجعل من الغرب المبتدأ أو المنتهي وإن الحضارة الغربية نسخت كل ما سبقها من حضارات رغم ما يؤكد المنصفون من مؤرخها ومفكريها بأنهم غرفوا منها ما شاء الله أن يغرفوا من ثقافة وعلوم وفنون إن حضارتهم استندت – خلال بنائها – علي كثير مما ورثوه من الثقافات الشرقية وفي مقدمتها الثقافة العربية الإسلامية .

ورغماً عن هذا ما يزال فريق من المعجبين بالغرب يتصورون أن الحياة المعاصرة لاتحتمل أكثر من شئ واحد وهو تطبيق ما ذهب إليه الغربيون من معايير مادية ماركسية وجودية ، وبراغماتية وغيرها علي الإسلام الحضارة العربية إلي عصور مادية بحتة أو ذاتية أو نفعية ، وهي بلا شك تجعل هذا الفريق يخلط بين تعقيل الحداثة الغربية وتثقيفها ، كما تجعله يتناسي قوانين الوحي ونصوصه التي لا تقبل التغييبر لأأنها صالحة في كل مكان وفي أي زمان .

وفي هذا المجال بقي أن نلقي الضوء علي بعض الثقافت الوافدة من أوربا وأمريكا التي تميز بها عصرنا والتي أصبحت تتحدث بلغة فلسفية جديدة ترمي من خلالها إلي قلب الامور وإحداث التغيير وتجاوز كل ما هو قديم ، وهذا ما نصطلح علي تسميته اليوم بالحداثة Moderuite  فما هي الحداثة يا تري ، وكيف ينظر الفكر الغربي إليها ، ما هي آثار علي الفكر العربي المعاصر .

1-   معنى الحداثة :

الحداثة مصطلح وافد على الفكر العربي ، القديم ، فهى – بهذا المعنى – توجه نقداً لكل ماهو قائم فى المجتمع من قيم ، وفنون وآداب وفلسفات فرضت نفسها على الإنسان مدة محددة من الزمن ، وآن الأوان لانسحابها .

 ولكن نفهم الحداثة يجب أن نتوقف قليلا عند قضية معينة وأساسية ونعنى بها تلك الدلالات الواسعة التى تزخربها اليوم الدراسات اللغوية والفلسفية والنقدية والتى تتمثل في الوعى والإدراك والأنا الفاعلة والقطيعة المعرفية والمسؤولية والقلق والخيال وفن الكتابة والتغير والزمانية ...إلخ .

وفى هذا الصدد يمكننا أن تقدم تعريفا شاملا للحداثة ، عند الأديب المعاصر جابر عصفور الذى يقول بأنها  " الإبداع فى تحققه على المستوى التقافى العام ... ووعى الشاعر المحدث بكل هذه التعاضات يعنى وعيا بمسؤوليته إزاء وضع تاريخى للحاضر وتراث أدبى للماض " (2) .

وإذاكانت الحداثة تعنى الخلق والإبداع فى المجال الثقافى بصفة عامة فإننا سنقتصر فى هذا المقال على جانب واحد من هذه المجالات وأقصد من وراء هذا أننى مأحاول الكشف عن مفهوم الحداثة فى المجال الفلسفى تاركة المجال السياسى والأدبى والفنى والاقتصادى الذى لايخلو هو الآخر من هذه المفاهيم ، حيثأصبحت الحداثة تعنى – فى المجال السياسى مثلا الثوة على الوضع القائم ، وفى المجال الاقتصادى تجاوز الأوضاع المادية والافتصادية من أجل رفع مستوى معيشة المجتمع ، وفى المجال الفنى تخيل مجتمع أفضل من المجتمع القائم ...

وإذ نظرنا إلى الحداثة من الوجهة الفلسفية البحتة وجدناها تعنى محاربة الأفكار الماضية فهى مثلا عند هوسرل أدموند تعنى رفض الفلسفات السابقة ونقدها والعودة إلى فلسفة العصر (3) ، كما أها تعنى محاربة شىء ما وإعادة البناء وإصلاح ما دمر واندثر ، والأخذ بتجارب الماضى قصد الانتفاع بها فى تشكيل المستقبل . يقول أحد المفكرين عن الحداثة " بأنها حركة إلى الأمام ، تبحث عن شرعية المستقبل " ( 4) لأن الحاضر أصبح لا يواكب متطلبات العصر .

2-   فلسفة الحداثة عند الغرب :

إن دراسة الحداثة الغربية لا يمكن أن تتم دون الرجوع إلى المصطلحات المعاصرة التى نجدها فى كتابات ومؤلفات المفكرين الغربيين والتى تتحدث عن الوعى conscience ، والجدل Dialectique ، والمادة Matiere ، والزمانية Tempraulite ، والعدم Neant ، وتأليه الإنسان ، واللاشعور lneonscient ، والمنفعة .. إلخ .

وقد ارتبطت هذه المصطلحات بتراث فكرى غربى أصيل يعود فى نشأته الأولى إلى أفلاطون واورسطو، ثم تطورت على مر العصور مع الشعواء والفلاسفة والأدباء المسلمين ، حتى طغت على الفكر الإنسانى فى العصر الحديث والمعاصر ، وأصبح ينظر إليها نظرة جديدة ترمى إلى إحداث قطيعة مع الماضى والدعوة إلى مستقبل أفضل

من هذه المصطلحات التى روج لها الفكر الفلسفى الحديث على الخصوص أخذت الحداثة الغربية المعاصرة معناها وموقفها . وهكذا بنى كل من دعائم فلسفاتهم على مصطلحات التعالى Transcendance ، والصيرورة Devenir ، والحرية     

La Liberte ...إلخ وهى مصطلحات تحوى فى طياتها فكرة التغيير وإعدام ما يسمى " بالقطيعة المعرفية " Rupture epistemologique من القديم (5) .

وفى هذا المجال يعد النقد أول وظيفة يقوم بها الحداثى المعاصر ، حيث نجده يقف بين ماهو معطى أومتلقى وبين ما يمكن أن يحصل عليه من واقعة الاجتماعى والسياسى والاقتصادى عند تعاملة مع الخيال أو الفن ، أو القراءة ، أوالكتابة ...إلخ .

فالكتابة مثلا- لها علاقة بالوجود الإنسانى يتمثل دورها فى إبراز الأفكار التى يوظفها الناقد ( أديباً كان أم فيلسوفاً أم شاعراً ... إلخ ) ، من ثمة فهى تكشف عن كيفية إثارة الشعور الإنسانى من خلال النص ، وتكون الكتابة ذات فاعلية كبيرة إذا كان المثقف صادقاً فى أقواله ومخلصاً لها ومن ثمة يصبح حداثيا ، لأنه يعتمد على فكره ووجدانه ، بدلا من الرجوع إلى رصيده الثقافى الخاص الذى يحتضن القيم الفكرية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها (6) .

لكن المشكلة التى نصادفها فى الحياة الغربية العاصرة – والتى تتعلق بقضية الحداثة – تتمثل فى العلاقة القائمة بين ماهو متخيل وماهو واقعى ، بين الفكر والموضع ، بين الذات والطبيعة ، وهنا تفرض علينا مجموعة من الأسئلة هى كالتالى : هل يجب فصل أفكارنا عن الوضوعات التى تحيط بنا ؟ وهل يجب الفصل بين الذات والطبيعة المادية ؟ وهل يجب فصل أفكارنا عن الأهداف والغايات المتعلقة بمستقبلنا ؟

     وللإجابة عن هذه الأسئلة حاولت بعض المذاهب الغربية المعاصرة إعطاء نموذج للحياة الإنسانية انطلاقا من هذه المصطلحات، قصد عقلنة الحياة وتقديم صورة جديدة للشخصية الأوربية المعاصرة .

أ – المادية :

     تعتقد النزعات المادية المعاصرة – شأنها فى ذلك شأن مادية القرنين السابع عشر والثامن عشر- أن الإنسان شئفى الطبيعة ولا يتميز عن الموضوعات الجامدة ، حيث يخضع لقوانين الطبيعة التى اكتشفتها العلوم كما يخضع لها باقى الواقع المادى ،ومن ثمة يصبح وجود الأرواح أوالجواهر اللامادية أموراً خاوية ، وهذا ما جعلها تنكر وجود الله وتعتبر اللاهوت والأديان أراجيف تحاول اغتصاب مكان العلوم التى تعد وحدها الوسيلة الوحيدة القادرة على كافة المشاكل الإنسانية (7) .

 وفى هذا المجال تستشف النزعات المادية مستقبلاً أفضل بعد انهيار القيم الدينية ، والأفكار الميتافيزيقية ، وأصبحت تنظر إلى فعل التغيير والتقدم نظرة مادية بحتة ترمز إلى تجديد الحياة بطريقة مادية (8) .

      كما تعتقد النزعة المادية أن النظرية لا يمكن أن تنفصل عن التطبيق فآراء الناس ودوافعهم وتصوراتهم ومشاريعهم تعكس نفسها في أفعالهم ، مما يجعل عملية التجريد مجرد خداع خاص له مبرراته الاجتماعية والتاريخية .

      فالحداثة – بهذا المعني تعني الربط بين الفكر والواقع المادي ، ومحاولة دراسة هذه العلاقة علي ضوء النشاط والعمل الذي يقوم به العقل من أجل تحرير نفسه بنفسه ومن ثمة لابد أن يكون ثورياً وعملياً .

      وعلي هذا الأساس يرجع سبب فشل تحقيق المشاريع الإنسانية إلي العامل المادي بالدرجة الأولي ، فالحاجات هي التي تحدد الافكار وليس العكس ، فطاحونة الهواء – مثلاً – هي التي حددت النظام الإقطاعي ودولاب الغزل هو الذي أنشأ النظام الصناعي وخلق نمط معين من التنظيم داخل المجتمع .

      وتعمل المخترعات والكشوفات العلمية علي تغيير نمط الحياة الإنسانية حيث تظهر مطالب ورغبات وأهداف جديدة أي نمط جديد للسلوك الإنساني يكون بداية ظهور نظام جديد للمجتمع .

   فالحياة الإنسانية عند زعماء المادية يمكن أن تحدد بطريقة علمية ومادية وجدلية ترتبط بقوانين معينة تكشف كلها عن ضرورة الثورة والتغيير .

      من هنا تنتقذ هذه النظرية فكرة الخلود أو الحقائق الثابتة فليس هناك – في رأيها – حقيقة اجتماعية أو أخلاقية يمكن أن تكون صادقة بصفة مطلقة ، بل هناك أفكار ومعتقدات ومشاعر أخلاقية مرتبطة بالمصالح الإنسانية (9) .

      أما الخير والشر فهما مصطلحان يعبران عن حقيقة العمل فإذا أفاد فعل بعينه مصالح الجماعة أو الطبقة فإنه خير ومحكوم عليه بالنجاح ، أما إذا أعاق تلك المصالح فهو وهم وخرافة من ثمة كان الفشل نهايته المحتومة (10) .

      من هنا نفهم أن نظرة المادي إلي الحداثة مرتبطة بالطبيعة المادية وبالعمل الإنساني ، ومن الواضح أن تحقيق الأهداف الإنسانية يستدعي الجهد العضلي ومقاومة الطبيعة والاستعانة بالتكنولوجيا التى تعد بمثابة الركيزة الأولى لعملية التغيير ،أى تحويل الأفكار إلى أشياء مجسدة فى الواقع .

  وهكذا تنظر النزعة المادية إلى فعل التغيير نظرة مادية بحتة حيث نجدها تربط بين الفكر والواقع ، بين ما نقوله وما نفعله ، بين ما نتخيله وما نجسده ، من ثمة فهى تؤله الإنسان وتجعله سيد مصيره بعد أن قتلت فيه روح المطلق وجعلته عبدا للأشياء المادية .

           وعلى هذا الأساس يمكن تحقيق السعادة الإنسانية عن طريق العمل وليس عن طريق الإيمان أو ممارسة الطقوس الدينية أو الإيمان بها، لأنها – حسب رأيهم –نمثل خرافات وأباطيل استغلها الطغاة للسيطرة على البسطاء والمستضعفين والاستحواذ على أسلاكهم ، والتحكم فى رقابهم ، والتصرف فيهم تصرف الأسياد فى العبيد (11)

ب- الوجودية :

       إن الحداثى فى الفكر الوجودى المعاصر هو الذى يعمل على إدراك العالم إدراكا جديدا وتتطلب منه هذه العملية إعادة بناء الواقع ، وتأمل طريقة جديدة فى الحياة الإنسانية والبحث عن السبل الكفيلة لتطورها وتجديدها (12)

       فالتغيير والإبداع والخلة أمور ذاتية بالدرجة ألولى ، وتعمل كلها على صرف الحداثى عن الموضوعية Objectivite والتشبه بالأشياء الجامدة ، وبما أن الإنسان عند الوجوديين الملحدين وجد من دون إله ، وجب أن يحتل مكانة ويحول لنفسه – بعد ذلك – بسط بسيطرته المطلقة على الوجود .

      والشكهو منهج الحداثى عند الوجوديين ، فهو ( الحداثى) يشك فى كل ما تعلمه وورثه عن الأسلاف . من ثم يفتح الباب واسعا على الحرية المطلقة ليصنع مايشاء . يقول سارتر فى هذا المجال : " الإنسان مسؤول أمام وجوده ، فهو مسؤول عن جبنه وبطولته حيث لا يولد جبانا أو بطلاً ، وإنما عليه أن يصير جباناً أو بطلاً. " (13).

    إذن مهمنة الحداثى الوجودى تكمن فى قلب موازين الماضى وعدم الاعتراف بكل ما أنجزه الأسلاف ، بل مهمته تتجاوز حدود ذلك لتصبح نقمة على الحاضر أيضا الذى يتطلب هو كذلك التغيير .

       والوجودية المعاصرة ، تنفر من " الرجعية " أو " اللاحداثة " وتدعو إلى عدم التثبت بكل ماهو ثابت ، لأنه من صنع الإنسان ، فالرجعية سمة من سمات الذات الموضوعية التى لاتشعر بالقلق أو الضياع أو العدم التى هى مشاعر متعلقة بالإنسان الذى يقدس المسؤولية والحرية (14) .

        والحداثى – بهذا المعنى – فنان الوجود يهوى تشكيله ، فهو يهدمه ليبنيه من جديد ، فهو ينشد الإنسان أو المجتمع " الموجود – هناك " أو" المشار إليه " على عكس الرجعى الذى ينعم فى الوجود الزائف ويخضع لقرارات الآخرين .

وتتضح الرؤية الوجودية المعاصرة للحداثة ، فى كل المجالات المتعلقة بالحياة الإنسائية من فن وأدب وشعر ، حيث نجد أن الفنان مثلاً – حداثى ، لأنه يتخيل عالما آخر غير العالم الذى يعيش فيه (15) ومن ثم نجده يعبر عن ذلك التجاوز من طريق النحت أو الرسم فيشعر حينها أنه انتصر على وجود وعلى الوجود المفروض من طرف الآخرين .

      فالحداثى – بهذا المعنى – شاعر وفنان وأديب وفيلسوف وكاتب يهوى الوجود الأصيل ، حيث نجده يتأقلم مع اللحظات الوجودية فى كل عبارة يقولها وفى كل عمل يقوم به وفى كل كلمة يكتبها: فهو يعيش الوجود ، لأنه يشعر بحقيقة الحب والنصر والهزيمة والفراق والموت ، وهذه المشاعر كلها هى مدخل الروح الإنسانية الوجودية التى تعشق عالماً ممكن التحقق ، وهذه الإمكانية هى التى تجعل الحداثى يعيش وجوده على أكمل صورة (16) .

       وأمام رسالة النزعة الوجودية فى مفهوم الحداثة نصل إلى مصطلح الإمكانية الذى يعنى حدا فاصلاً أو موقفا Situation يهدد الحداثى بالهزيمة والفشل الذين يلازمان تحقيق المشروع الوجودى ، لكنه (أى الحداثى) – باعتباره يهوى المجازفة والمخاطرة – يحاول جاهداً تجاوز هذه العقبة قصد تحقيق ماهيته الوجودية (17) .

    ولاشك أن هذا المصير المشحون بالتوتر والقلق يجعل الغاية التى يسعى الحداثى إلى بلوغها وامتلاكها ممتنعة التحقيق ، فهى عبارة عن سراب تحاول الحصول عليه والإمساك به ، لكنه يخفق فى ذلك ، وهذا أن دل على شىء ، فإنما يدل على نداء المستقبل لنا ، الذى يبقى منفتحا لإمكانياتنا الحاضرة .

      ولكن مأساة الوجود تتمثل فى كون المستقبل يبقى دائماً هناك ، أى أنه يحتل مسافة تبعد عن الوجود ، لأن الإنسان يبقى دائما متعلقا بهذا الأخير الذى لم يأت بعد .

ج-البراجماتية :

 تنظر النزعة البراغماتية التى تزعمها كل من بيرس وديوى ووليا جيمس إلى الحداثة ، نظرة لا تخالف كثيراً النظرة الوجودية ، حيث نجدها تؤكد على دورالإنسان فى عملية الخلق والإبداع وتغيير الواقع قصد إعادة بنائه من جديد .

      ومثل هذه المهمة تتطلب من الحداثي أن يثق في مشاريعه وإرادته الذاتية دون الرجوع إلي ما أنجزه الآخرون ومن لوازم هذا أن يبدأ بتحديد الهدف والطريقة والوسائل التي يستعين بها علي تحقيق الهدف المنشود .

      من هنا يمكننا توظيف هذا المصطلحات في مشروعان البراجماني فتقول : ما هي غاياتنا من تحقيق الأفكار الإنسانية ؟ ومتي تكون هذه الافكار متطابقة مع واقعنا المعاش.

      وتؤكد النزعة البراغمانية علي توظيف أفكارنا توظيفاً سليماً يتماشي مع متطلبات العصر ، يقول جيمس في هذا المجال (18) ، فأفكارنا يجب أن تتفق مع الوقائع والحقائق سواء كانت هذه الحقائق ملموسة أو مجردة ..

      ومن أهم الوسائل التي لا يستغني عنها الحداثي بشكل من الأشكال – لتحقيق الهدف ، العقل الذىلاغنى عنه للقضاء على العوائق والصعوبات التى تتعرض تحقيق مايراد إنجازه ،كما يتخير العناصر التى يبنى بها هيكل ما سصبو إليه ، ويرتبها ترتيباً يضمن لها إنشاء شىء جديد قائم على تغيير شىء قديم ، ويضمن فى نفس الآن تطابق الفكر مع الواقع (19).

      إن تجسيد " الفكرة عند البراجماتى يقتضى الرجوع إلى العقل والاهتمام بالمنطق والمعانى المؤدية إلى النتائج المرجوة ، من ثمة لايمكن تصور انفصال بين الفكر والواقع، بين عالم النظر والتصور ، والفعل والعمل (20) .

        فالحداثى عند البراجماتى يهمه الواقع بالدرجة الأولى ، فهو مسؤول ، لأنه أمام موقف يحاول تجاوزه ، من ثمة ليس هناك تفكير ومحاولة للكشف عن نتائج جديدة إلا إذا واجه الإنسان موقفاً جديداً يجعله يشعر بالقلق والحيرة (21).

ولامكان تحقيق المشايع الإنسانية يجب على الإنسان أن يواجه المواقف الجديدة التى تحتاج إلى تصرفات جديدة غير مألوفة ، وإلى سلوكيات يتغلب فيها على ما يعرض له من مشاكل ، وعلبه يجب على هذا الإنسان أن يهتم بالدرجة الأولى بمعنى هذه الأهداف والمشاريع التى يصبو إليها ، لأنها تدل على ماهو مفيد بالنسبة إليه وإلى غيره من الناس لذا يدعو البراجماتى إلى استخدام المعانى والأفكار والألفاظ والاهتمام باللغة قصد تعديلها بما يلائم أغراضه ومصالحه .

     وإذا كانت الحداثة – بهذا المعنى – تعلق أهمية كبرى على البعد الخارجى للأفكار الإنسانية أى إمكانية تحققها فى الواقع فذلك لأن الحضارة البشرية بصفة عامة ، والغربية بصفة خاصة هى ثمرة لتلك العملية الزدوجة التى تتم بين الفكر والواقع .

    وإذاكانت الحداثة – بهذا المعنى – تعلق أهمية كبرى على البعد الخارجى للأفكار الإنسانية أى إمكانية تحققها فى الواقع فذلك لأن الحضارة البشرية بصفة عامة ، والغربية بصفة خاصة هى ثمرة لتلك العملية المزدوجة التى تتم بين الفكر والواقع .

     ولقد حاول البراغماتيون نقد المعانى الخاوية والتصورات المجردة ، حيث حاربوا الرجعية ودعوا إلى التغيير ، مملقين كل آمالهم على العمل (22).

قصد إبداع أصيل يتحرر به الحداثى من أى قصر خارجى ويسمح له بأن يطبع العالم بطابعه الخاص ، بحيث يقدم إنجازاً مادياً حياً يفيد منه المجتمع فى حياته اليومية .

فالحداثة – بهذا المعني – وكما وميصورها البراجماني وهي رفض للواقع القائم وتعبير عن شعور داخلي ، وفن لتصميم الطبيعة من أجل إعطائها صورة مبتكرة جديدة ، حتي يصبح العالم الذي يعيش فيه أكثر إزدهاراً ورفاهية .

إن الوعي أو الفكر أو الشعور له علاقة بالمؤثرات الخارجية الواقعية المتمثلة في الأهداف الإنسانية ، وهي مؤثرات يتنكر لها الوعي " اللانقدي " لذلك فهو وعي زائف ومريض يحتاج إلي معالجة دقيقة وإلا كان أولي بالزوال .

وخلاصة القول أن السمة الأساسية التي تشترك فيها النزعات أو الفلسفات المعاصرة تتمثل في دخض المثاليات والتصورات الخاوية والترويج للثورة التي تظل "الرجعي" فإن الحداثي سيختار الواقع حتي لا تضيع حريته ويسمح نفسه بأن يكون أعلي من ذاته .

وهكذا يمكننا أن نقول إن المحور الأساسي الذي تقوم عليه حداثة القرن العشرين هو " الوعي " الذي يجعل من الإنسان مبدأ وغاية كما يجعله يتجاوز المعارف الأسطورية التي شوهت حقيقة العالم ليسلك طريق المعرفة العقلانية الهادفة التي تتطابق مع واقعة الموضوعي تلك هي أسس العقلانية التي تتحدث عنها الحداثة (23) .

لكن هذه النظرية الغربية المعاصرة لا تتماشي مع الوقفة الإسلامية التي تعتقد أن الوعي الإنساني لا يكفي أن يحدد نشاطه ويقف عند حدود ما يخدم ما ينفعه من الناحية المادية ويلبي متطلباته الدنيوية ، وعلي الرغم من أن هذا واجب ومشروع فالمسلم مطالب بأن لا يهمل جانباً آخر ربما كان عنده أهم لاترباطه بمصيره بعد الموت وفي القرآن الكريم دعوة إلي الجميع بين الحياتين الاولي والآخرة " وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة ، ولا تنسي نصيبك من الدنيا " (24) .

3- الواقع الغربي والحداثة :

       من خلال عرضنا لمختلف الاتجاهات الفلسفية المعاصرة ، وموقف كل اتجاه من
" الحداثة " تبين أن المادية تسأل عن الكيفية التي يتم بها التغيير والعودة إلي المادة أو الطبيعة ، وإنكار الغاية والنظام في الكون وإخضاع ذلك إلي الجدل المادي (25) ، والوجودية تتطلع إلي قيام مجتمع إنسانية الإنسان المعاصر وهو المجتمع الذي تقدر فيه الحياة الإنسانية فهي تبحث عن قيمة الحياة الإنسانية أو الوجود الإنساني من خلال ما يقدمه الإنسان من أعمال وهو في أشد المواقف قهراً وجبراً (26) ،والبراجمانية تتجه إلي العلوم اتجاهاً كاملاً ، حيث أصبحت الأفكار أدوات لخدمة الإنسان المعاصر ، من ثم تنطلق الحقائق من الذات ولا وجود لحقيقة مطلقة ، لأن كل حقيقة إنسانية وعلي هذا الأساس فهي خاضعة للتغيير والصيرورة (27) .

       إن الطريق إلي التحول أو العصرنة بات أمراً معقداً للغاية حيث اختلف حول المفكرون العرب المعاصرون من ثم اصبحت المشكلة المطروحة تدور حول كيفية اجتذاب الماضي نحو الحاضر والبحث عن علاقة الأصالة بالمعاصرة وإعطاء صورة أصلية للحداثة العربية يرضي عنها الحاضر والماضي معاً – لكن هذه العملية لا زالت في المهد ، بل ولدت اتجاهات متباينة ومختلفة فيما بينها ، حيث نجد الاتجاه الإصلاحي الذي يقدم نسخة عربية للحداثة ، ويحاول صياغتها داخل مبني ثقافي عربي إسلامي له خصوصياته التاريخية والتي تعبر كلها عن رد فعل الانحطاط والثورة علي الواقع القائم والاتجاه الإنساني الذي تفرع عن الاتجاه العصري الذي يرفض التوفيق بين الدين والعقل ويعتبر الإنسان مشكلة من مشاكل العصر ، ويدعو إلي إيقاظ الوعي من أجل تجاوز الأزمات الإنسانية (28) ، والاتجاه الإسلامي المتشدد الذي يرفض الحداثة لكونها تؤكد علي العقلانية ، وتهمل ما يقوله الوحي الذي تكفل بإظهار كل الحقائق المتعلقة بالحياة الإنسانية وتقديمها للإنسان حتي لا يشغل بها قواه المحدودة عن وظيفتها الحقيقية .

       وسنحاول – في هذا المجال – عرض بعض الأفكار المتعلقة بقضية الحداثة وموقف كل اتجاه من الإصالة والمعاصرة وكيفية إسقاطهما علي المجتمع العربي الإسلامي .

 

الاتجاه الإصلاحي زكي نجيب محمود ( كنموذج ) :

       يقف د/زكي نجيب محمود من الحضارة الغربية موقفاً واضحاً وصريحاً يتمثل في محاولة الخروج بصيغة عربية معاصرة يمكن من خلالها إدماج الفلسفات الغربية المعاصرة في الهوية الحضارية العربية فهو يعتقد أن هذه المهمة تقع علي عاتق المثقف الثوري يقول في هذا المجال " ......... هو من أدرك مثلاً جديدة للحياة الإنسانية ، ثم لم يقف عند حد الإدراك ، بل حاول تغيير الحياة وفق ما أدركه شريكة أن يجئ هذا للتغيير في الاتجاه الذي يسير فيه التاريخ (29) .

       فموقف هذا المثقف العربي من الثقافتا والفلسفات الغربية المعاصرة يمثل موقف الحداثي تجاه عصره فقد دعا إلي ضرورة الأخذ بهذه الفلسفات لأنها -حسب رأيه- مرتبطة بما وصل إليه العلم من كشوفات في العديد من المجالات وما قدمه من منافع للإنسانية ، كما دعا إلي الحرية والتعقيل ذلك أن العقل هو اساس التطور والتقدم ، فهو الذي أقام الحضارات والثقافات .. ولولاه لما كان هذا الرقي الذي رفع حياة الإنسان من طور التوحش والحيوانية إلي طور التحضر والازدهار يقول في هذا المعني .. ذلك أن العقل هو الفيصل بين الحق والباطل ، وبه وحده يصبح الإنسان سيد مصيره . (30)

       ويلاحظ أن دعوة زكي نجيب محمود إلي التغريب في المرحلة الأولي امتازت بالتطرف ذلك أنه كان يدعو إلي الأخذ بثقافة الغرب دون تحفظ يقول في هذا المجال : " إنه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بتراً ، وعشنا منن يعيشون في عصرنا علماً وحضارة ووجهنا النظر إلي الإنسان والعالم ، بل إني تمنيت عندئذ أن نأكل كما يأحكلون ونجد كما يجدون ونلعب كما يلعبون (31) .

ومبررات تلك الدعوة هي نظرته إلي الحضارة الغربية والتراث العربي علي أنه جزء لا يتجزأ وهو يكتسي طابع التغيير والثورة ، وقلب الموازين المعروفة وهدم طرق التفكير الميتافيزيقية وجعل المبادئ الأخلاقية تتماشي مع متطلبات العصر طالما أن هذه القيم نسبية(32) .

       لكن نظرته تلك أخذت في الانكسار واتخذت بعداً جديداً يعبر عن تأثيره بالقومية العربية (33) ، حيث نجده غير من رأيه الأول الذي كان يجمع بين الحضارة الغربية والحضارة العربية وأصبح ينظر إلي الحضارتين نظرة جديدة تقوم أساساً علي التقابل بين الشرق والغرب ، يقول في هذا المعني : ثقافة الأقدمين أو المعاصرين هي طرائق عيش ، فإذا كان عند أسلافنا طريقة تفيد في معاشنا الراهن ، أخذناها وكان ذلك هو الجانب الذي تحييه من التراث ، وأما ما لا ينفع نفعاً عملياً تطبيقياً فهو الذي نتركه غير آسفين " (34) .

وخلاصة الرؤية الجديدة لزكي نجيب محمود أن الحداثة العربية تقوم علي عاملين أساسيين فهي تشتمل علي ثوابت ومتغيرات ، أما الثوابت ( الأصول ) فهي الدين واللغة والأرض والتاريخ المشترك أما المتغيرات (الفروع) فهي ما تحمله كتب القدماء من نظريات خاوية تجاوزها الإنسان المعاصر وابطلتها الكشوفات العلمية الجديدة وبهذا تكمن الحداثة في تجاوز عالم مضي إلي غير رجعة فهي تمثل تفاعل المثقف العربي مع الثوابت والمتغيرات حتي يساير أحداث عصره وحركة التاريخ دون أن يفقد شخصيته العربية الأصلية (35) .

ومن ثمة يمكننا أن نستتنتج أن نزكي نجيب محمود لا يميل إلي فلسفة بعينها وإنما يريد الأخذ بكل النزعات والمذاهب الفلسفية المعاصرة علي السواء وتفضح هذه الرؤية في مؤلفاته المتأخرة وبخاصة في كتابه : " ثقافتنا في مواجهة العصر " – وكتاب عن الحرية أتحدث وغيرها حيث نجده يهتم بالثقافة الوجودية عندما أكد علي الحرية الإنسانية، وبالثقافة البرغمانية عندما أعطي أهمية للمارسة والتطبيق العملي وأخذ عن المادية فكرة العوائق المادية وأصبح يتحدث عن ضرورة إزالتها من أجل  تجاوز المواقف الصعبة قصد توظيفها توظيفاً علمياً يتماشي مع آخر تطورات العصر .

أما العلاقة بين العقل والإيمان فإننا نجد زكي نجيب محمود يؤكد علي رورة اتصالهما حيث يعتقد أن الإسلام دين فكر وحضارة ومجتمع ، فهو لا يمثل الجوانب الروحية فقط أو علاقة الإنسان بالله بل يتسه مفهومه ليشمل علاقة الإنسان بالله وبالآخرين بوجوده . بمواقفه .. إلخ وبهذا فلا مجال للحديث عن خلاف بين العلم والدين وهذه العودة إلي الينابيع قد تيسر عملية التكيف المتبادل بين الإسلام والحداثة ، علي الأقل بين الإسلام وعناصر الحداثة التي تتلاءم مع روح الإسلام .

وقد مثل هذا الاتجاه بفرعيه المختلفين كل من حسن حنفي ( إسلام إصلاحي ) ومطاع صفدي (العروبة) وجمال عبدالناصر (الناصرية) .

ب) الاتجاه الإنساني : عبدالرحمن بدوي (كنموذج) :

       يمثل الاتجاه الإنساني فرعاً من فروع الاتجاه العصري الذي هو نقيض الاتجاه التقليدي ، فهو لا يرجع إلي التراث إذا كان يعبر عن التحجر أو الثبات ، بل يهتم بالحياة الإنسانية التي تكون الواقع الحسي الملموس ويدعو إلي إعادة النظر في الإنسان(36) والعودة إلي الأشياء التي تتعامل معها ونتصل بها أتصالاً موضوعياً ومادياً .

       وفي هذا المجال تدعو هذه النزعة إلي رفض التجريد وتؤكد علي دور الفكر الإنساني في إدرغاك المجردات وتجسيدها في الميدان (37) ، فهي حركة تدعو إلي حرية الإنسان ومسؤليته والدور الذي يمكن أن يقوم به الفرد في تغيير عالمه المعاصر .

       وقد مثل هذا الاتجاه الدكتور عبدالرحمن بدوي الذي نظر إلي الإنسان نظرة إنسانية وجودية مسايرة أستاذه هيدجر الذي اكتشف مذهباً أقرب إلي الحياة وأشد التصاقاً بالواقع اليومي .

       فالحداثة – بهذا المعني – ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعالم الإنساني وموقف الإنسان من حياته المعاشة كما أنها تعبر عن الأفعال التي يقدمها الإنسان في ظل المعاناة والقلق والسقطة الوجودية .

       لقد دعا بدوي إلي حداثة عربية قوامها للمكنات الإنسانية ، تعمل من خلاله الذات علي تجسيدها في الواقع بمعني أن التغيير والتجاوز يمثلان السمات الأساسية التي تتميز بها نزعته الإنسانية .

       وفي هذا المجال ينطلق بدوي في فهمه للحداثة دون التضحية بالإله وهو الأمر الذي جعله يختلف عن أستاذه هيدجر الذي ضحي بالإله من أجل أن يكون الإنسان سيد مصيره .

       وقد اقام بدوي دعائم نزعة الإنسانية علي عامل الزمان (38) أو الزمانية Temporality   التي ورثها عن الفلاسفة الوجوديين فهو يعتقد أن الإنسان يمثل ديمومة أو حركة ذاتية في الزمان حيث نجدها تبحث عن شرعية المستقبل بعد فقدانها لشرعيتها الماضية ، من ثمة نجده يدعو المثقف أزمة الإنسان المعاصةر في علاقته مع الآخرين ومع الموضوعات ومع العالم ودراسة الوجود الإنساني في كل جوانبه .

       كما حاول بدوي إعطاء صبغة إنسانية لحداثة تتعامل مع الواقع ومع الوجدان الذي يبحث عن مخرج ذاتي من أجل تشييد مجتمع الغد الذي يمثل عنده المجتمع الإنساني الخلاق المبدع لوجوده والمنتصر علي إمكانياته التي كانت متعلقة بالزمان (39) .

       وإذا كانت الحداثة – عند بدوي تعبر أصدق تعبير عن ضرورة التغيير فإن عامل الزمان سيعمل علي خلق الذات الإنسانية المعاصرة حيث إن الوجود الإنساني لا يمكن أن يكون إلا بوجودج الإمكانيات وبارتباطه معها ، فهي إمكانيات عديدة تتعلق كلها بالمستقبل وتعمل الذات علي تحقيق ولو جزء ضئيل منها ، إذن هنا إمكانية ذ اتيبة متعلقة بالزمان والمستقبل بوصفه خالقاً .

       فالحداثة – بهذا المعني – تمثل تجاوزاً للماضي والعودة إلي عامل المعرفة والعمل اللذين يمثلان القيمة الأساسية للإنسان المعاصر (40) .

       وقد أكد بدوي علي ضرورة البحث عن مخرج ذاتي من أجل تشييد مجتمع الغد ويتجلي ذلك أكثر عندما اهتم بالشعر والكتابة والفلسفة ، ودعا إلي مسايرة الزمان وبعث روح الخلق والإبداع في كل خطوة زمانية نعيشها ونتذوقها ونشر بها وهي قضية أكد عليها فيلسوف الروح هنري يرغبون في العصر الحديث (41) .

       إن الشعر الإنساني يكشف عن خبايا ومكبوتات تعاني منها الذات الإنسانية وهي معاناة يشعر بها الحداثي دون غيره من الناس، حيث تدافعه إلي تحويل الممكنات إلي أشياء واقعية بواسطة اللغة (42) .

       ويكون الشعر خلاف عندما تنفعل الذات وتشعر بالتوتر فتثور علي الواقع فالحداثي – بهذا المعني – هو من يقول "لا" وهو قول يكشف عن صراخ في صورة جزع ، وقد يعبرعنه الحداثي بالكتابة أو الرسم أو الخيال .

       ويؤكد بدوي – مثل هيدجر – علي دور القلق والألم من أجل السمو بالوجود والوصول إلي أعلي درجات الكمال وتصبح هذه العملية الأخلاقية ممكنة كلما اقترب المثقف مع الآخرين ووقف إلي جانب الغير (43) .

       ويهدف هذا المفكر من هذه العملية إلي توظيف مفهوم الحداثة في مجال الادب والفلسفة إذ يعتقد أن مجال الإبداع عند الشاعر الوجوديب لا يقتصر علي توزظيف الكلمات فقط وإنما تذوقها والإحساس بها ومعايشتها بغية هدم وتجاوز ما هو قائم .

       وقد تبني هذه النزعة كل من مصطفي حجازي – توفيق الحكيم – خالد محمد خالد – نوال السعداوي وغيرهم حيث تقوم مهمة الحداثي – في رأيهم علي إبداع عالم الإمكانيات في إطار الذاتية مما يؤدي إلي الشعور بالحرية والاستقلالية .

ج – الاتجاه الإسلامي المتشدد : أنور المجندي ومحسن عبدالحميد كنموذج :

       إذا كان بعض المفكرين العرب المعاصرين يؤكدون علي ضرورة العودة إلي الثقافة الغربية ومحاولاة صياغة تتماشي مع تطلعات العصر الذي نعيش فيه ، فإن البعض منهم يأخذ بطريق الإسلام وبمذهبيته الشاملة التي لا تتغير بتغير الزمان أو المكان ، وقد مثل هذا الاتجاه كل من محسن عبدالحميد في كتابه " المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري " وكذلك أنور الجندي في كتابه " الإسلام والتيارات الوافدة " .

       لقد ذهب محسن عبدالحميد إلي نبذ الثقافات الغربية التي تعمل علي عزل الاجيال العربية المثقفة عن الثقافة الإسلامية وتغذيتها بالثقافات المادية والوجودية والعلمانية من ثمة فهي تدعو إلي تغيير الحياة في العالم الإسلامي عن طريق فصله عن عقيدته وشريعته من خلال توظيف تلك المصطلحات المادية والإلحادية في جميع ميادين الحياة العربية الإسلامية يقول في هذا الصدد " .. إن هذه المأساة التاريخية حدثت في ظل جهل مركب بالإسلام ديناً وحضارة وتاريخاً ثم عدم الاستعداد لتصحيح الخطأ الكبير والانحراف المشين والجهل الفاضح (44).

       إن الإصلاح – عنده – لا يتم إلا في إطار الدين الإسلامي حتي يتوفر للفلسفة الإسلامية الأساس الدين المتين الذي ترتكز عليه ولأنها تقدم نظرية إصلاحية أو مشروعاً حضارياً للعالم الإسلامي يقوم علي قاعدة دينية أصيلة شاملة لكافة مناحي الحياة .

       إن القومية العربية – مثلاً – تتحقق في الدين فحسب لأن الرابطة الوحيدة والقوية التي تربط بين المسلمين هي رابطة المعتقد فليس هناك في العالم الإسلامي نزعات أو فلسفات مختلفة ، وإنما هناك عالم إسلامي واحد يربطه الكتاب المقدس (45) .

       وقد ذهب محمد عبده إلي نفس الفكرة حيث دعا إلي ضرورة العودة إلي النص الديني وعدم تشويهه وفهمه علي ضوء احتياجات الواقع المعاش بما لا يمس أصول هذا الدين وأركانه (46) .

       أما أنور الجندي فهو يثور علي التيارات الغربية الواحدة ويعتبرها أداة مثالية للسيطرة والاستحواذ علي العقول العربية الإسلامية ، فهو – في هذا المجال – يمثل أحسن نموذج للتطرف والتصلب في المحافظة علي الدين الإسلامي ورفض الحداثة بكل صورها ، لأنها – في رايه – تعكس ثقافات الوثنية واليهودية العالمية التي تحاول الافتراء علي الإسلام وتهديده بالزوال والضياع (47) .

       إن طلب الحذر والحيطة هو ضرورة مطلب كل مسلم قصد مواجهة النزعات المادية والعلمانية التي تعمل علي تغريب الفكر الإسلامي وذلك عن طريق وسائل الإعلام المسموعة والمرئية بهدف طمس الشخصية العربية والدعوة والإنحراف والكفر . ومن ثمة نجد أن هؤلاء المفكرين يدعون إلي حماية الإسلام ، لأنه منهاج رباني يخدم الدنيا والآخرة .

خاتمــة :

       خلاصة القول : إن العديد من المفكرين العرب المعاصرين ينظرون إلي التحديث الغربي نظرات مختلفة ، فمنهم من يدعو إلي التغريب وتوظيف المصطلحات المادية والنفعية والوجودية قصد تحقيق مشروع نهضوي غربي يقوم أساساً علي الألتزام بمبادئ الحضارة الغربية وتحقيق ثقافة عربية معاصرة ، ومنهم من دعا إلي نبذها – لأنها – حسب رأيعم – تأثرت بتطورات العلم والتقنية التي تسير في اتجاه معاكس للطبيعة والبيئة والحاجات النظرية الإنسانية .

       ومهما يكن من أمر ، فإن العصر الذي نعيش فيه اليوم لا يسمح لنا بالتذكر للمناهج العلمية التي تعد من أبرز الوسائل لتطور وتقدم المجتمعات الأوروبية حيث لا يمكن للعالم العربي تجاوزها ورفض التعامل معها ، لأنها أصبحت تمثل ضرورة من الضرورات التي تفرضها الحياة المعاصرة ، لكن لا يجوز أن نغالي في استعمال المنهج العلمي ليصبح أداة نفسر بها الجوانب الروحية والنفسية كما هو الحال مع دعاة المادية ، فالعلم حدد عمله في دائرة المحسوسات ولم يخالف الأديان ومن هنا فإن النظرية المادية لا تجد لها سنداً من علم أو تجربة أو برهان أو قياس .

       إن علماء القرن العشرين اكتشفوا عالماً ما ورائياً لا يستطيع العلم ذاته الكشف عنه أو فهمه .

       وخير دليل علي ذلك هو عدم ثبات المادة ، حيث اكتشفوا أن هذه الأخيرة تتحول إلي طاقة وأن الطاقة تتحول إلي مادة ، من ثمة اقروا بأن هناك عالماً ورائياً وميتافيزيقياً تديره قوة خفيفة هي التي أبدعت الكون .

       كما أن العصر الذي نعيش فيه اليوم لا يسمح لنا بالتقيد ببعض العادات والتقاليد التي من شأنها أن تعرقل مسيرة الإنسان نحو الرقي والتقدم ، ومن هنا تري الفلسفات الوجودية أنه يجب علي الإنسان تجاوز الواقع الذي قد تفرضه ظروف حياته ومجرياتها قصد التمتع بالحرية .

       لكن الإنسان – من خلال وتجاوزه لواقعه المعاش – لا يجوز أن ينفصل انفصالاً كلياً عما ورثه وتعلمه عن غيره ، لأن في تلك تشويهاً لشخصيته ولذاته فالشخصية الإنسانية هي ركون إلي الماضي وعودة إليه ، فهي ديمومة تبدأ من الماضي لتتجه صوب المستقبل وشخصيتنا تتكون انطلاقاً من ماضينا وتتطور مع تقدم الزمان أي مع حاضرنا ومستقبلنا ..

       وإذا كانت الفلسفة الوجودية تؤكد علي ضرورة التغيير والثورة والإعلاء من شأن الإنسان المقهور ، فهي من جهة أخري تعمل علي هدم قيمة وتشويهها حيث فتحت الباب علي مصراعيه للإباحية المطلقة والانحراف ذلك أنها لا تعترف بالله ولا بالحتمية فخلقت التشاؤم والتشكيك والقلق الذي يخص معه الإنسان أنه وحيد وغريب يعاني من الشقاء والتمزق والضياع ولا يقوي علي تحمل ذاته .

       كما أن العصر الذي نعيش فيه اليوم يدعونا إلي العمل من أجل إشباع حاجاتنا وتحقيق مشاريعنا وأهدافنا المتنوعة وهو أمر تؤكده التجربة والشعور الذي يكشف عن تحرك الإنسان في هذا الاتجاه ، لكن الإنسان لا يمثل كتلة من الغرائز كما هو الحال بالنسبة إلي الحيوان ، لأنه – أولاً وقبل كل شئ – عقل يتحكم به في عواطفه وانفعالاته وبالتالي لا يمككن أن تكون المنفعة – التي دعت إليها البراجمانية – مقياساً للسلوك البشري .

       لقد تجاهلت هذه الفلسفة الواجب المبني علي الإرادة الخيرة ، فالإنسان يستطيع أن يقوم بأفعال لا ترتبط إطلاقاً بأي أثر نفعي أو عاطفي وبحيث لا يكون من وراء هذا السلوك سوي دافع الواجب إليه .

       كما تجاهلت النية الحسنة التي دعا إليها الإسلام ( إن الأعمال بالنيات ) والتي تعد نبراساً يقتدي به الإنسان من أجل بناء مجتمع السلم والسلام .

       من هنا يمكننا أن نقول أن المنهج الإسلامي يتطلب حداثة عربية أصيلة تقوم أساساً علي قيادة ما أبدعه الغرب من علوم وفنون وفلسفات في ظل مذهبية خاملة وتخليصها من بعض الجوانب المادية التي باتت تمثل تهديداً كبيراً لحيانا العربية والإسلامية وعلي الإنسانية التي أصبحت في عصرنا الحالي تعاني من التمزق والضياع والقلق نتيجة إغراقها في المادية وعزوفها عما هو حق وروحي وأخلاقي .

       هكذا يمكن النظر إلي الحداثة علي أساس أنها تعبير عن بناء جديد في الحياة وغربلة واختيار ما ينفع ورفض ما يهدد حضارتنا وقيمنا وهويتنا بغية إثراء ما عندنا من رصيد ثقافي بهذا الذي تحصل عليه .

       وهكذا يتولد في مجتمعاتنا الإسلامية علم اجتماعي إسلامي ، وفلسفة إسلامية عقلانية ، وعلم قياسي إسلامي ، وعلم تربية إسلامي ، وبهذه الروافد نستطيع رفع شأن المجتمع العربي الإسلامي وانتشاله من التخلف والانحلال والإباحية وإعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية علي أساس رباني أصيل .

طباعة


روابط ذات صلة

  أسماء الشهور العربية بين الجاهلية وصدر الإسلام  
  العولمة والذاتية الثقافية  
  المؤسسات المعنية بالدراسات العربية والإسلامية في برلين  
  آليات المنهج الشكلي  
  بحث عن وضع اللغة العربية في أوكرانيا  
  دلالات التركيب في التحليل الساقي  
  دور وسائل الإعلام في التنمية اللغوية  
  مخطوطاتنا العربية في غرب إفريقيا  
  نظم قواعد النحو العربي واختصارها  


التعليقات : 1 تعليق

القائمة الرئيسية
عدد الزوار
انت الزائر : 14439

تفاصيل المتواجدين

 تصميم وتطوير ربيع عبد الحكيم --- مهندس صلاح بن منصور

جميع الحقوق محفوظة لـنادى الجسرة الثقافى الاجتماعى